لماذا اكتب؟

سالتني ابنتي: لماذا تكتبين؟ إبتسمت في البداية لانني ظننت أن السؤال بسيط ولا يحتاج إلا الى جواب بسيط ….. لكني وجدت نفسي فجأة اتساءل:لماذا أكتب؟ ووجدتني ابحث عن جواب لهذا السؤال البسيط……

حين اكتب أشعر ان الكتابة تشعل شيئا ما بداخلي لا يريد ان ينطفئ، ببساطة الكتابة تعيدني إلى شبابي، تربطني بزمان كانت فيه الكتابة والقراءة بالنسبة لي طقسا يوميا أهم من كل واجباتي ومهامي كلها، كنت اشعر بأن الحروف التي على الورق ليست مجرد حروف فقط ، انها أفكاري التي تتراقص مثل الفراشات امامي تحتاج إلى وردة تستقر عليها….

حروفي هي أيضا احلامي الجامحة مثل خيول غير مروضة تحتاج مروضا يجعلها تهدأ حين يقدم لها قطعة من السكر، وربما هي أحلامي أيضا لكنها بسيطة جدا مثل احتساء قهوة الصباح في شرفة منزل هادئ.

كلماتي قد تسعدني في كثير من الاحيان، حين أكون في قمة الفرح أضع كلماتي على الورق فتبتسم لي، أحييها فترد على تحيتي بأحسن منها. نعم، لكنها قد تحزنني وتزيدني كآبة، وتجعل دموع تنهمر بغزارة حتى تجف العيون.

حروفي هي مؤنسي حين أكون وحيدة، يد تحنو علي حين يعتصرني الألم وارفض الشكوى فالشكوى لغير الله مذلة، شكواي لله دعاء في سجود، اما شكواي لنفسي فهي حروف تبدأ بكلمات وتنتهي بصفحات وصفحات وصفحات حتى تهدأ النفس. ففي ليال كثيرة مليئة بالشجن والقلق أجد نفسي وقد عانقت أناملي قلمي وأوراقي فأكتب وأكتب ثم أكتب كل مايجول بخاطري، كل مشاعري حتى الأكثر قوة وشراسة، وأجدني وقد كتبت صفحة وبعدها أخرى إلى أن تجد الراحة طريقها إلى النفس، ثم ارى الهدوء وقد عم المكان، وعاصفتي ذهبت، فأعيد قراءة ما كتبت وأبدأ في تصحيح ما أعتقده خطأ ثم ألقي نظرة أخيرة عليها وابدأ في تمزيقها قطعا صغيرة، ثم أرميها في سلة المهملات وكاني قد أزلت بها عبئا ثقيلا واصبحت أكتافي حرة مرة أخرى.

في بعض الأحيان تكون صفحاتي مليئة بأحاسيس ثقيلة جدا لدرجة ان التمزيق لا يشفي الغليل، فأعمد إلى إحراقها قطعة قطعة وأنا اقول لنفسي ذهاب بدون إياب ان شاء الله ههههه فهل أجبت على السؤال: لماذا اكتب؟ لا لا لا…..

طبعا حروفي ليست كلها مشاعر وأحاسيس، آلام او سعادة ، في أغلب المرات اكتب رأيا في قصة قرأتها أو تحليلا لموقف اجتماعي أو سياسي وقد يكون رأيا لرواية أو فيلم شاهدته وكذلك أكتب قصصا، وأكتب خططا مستقبلية وبرامج كثيرة مخططات ومخططات بعضها التزم به بالنقطة والفاصلة، وأؤجل بعضها إلى وقت مسمى أو غير مسمى حسب ظروف الزمان والمكان والصحة والمال الذي لا ينكر أحد أهميته .

كلماتي تجعلني أعرف نقاط قوتي وضعفي فارتقي بالقوي منها واقوي الضعيف ، إنها خارطة طريقي تجعلني أرى ما علي فعله وما علي تركه، ماالذي أستطيع تجاوزه وماالذي لا يمكنني التنازل عنه وكأني في كل مرة أعيد قراءة مابداخلي واكتشاف نفسي بين فترة وفترة فأننا بحاجة إلى إعادة اكتشاف ذواتنا ،لنزيل الغبار عن المنسي فيها ،نحذف القديم الذي لم يعد صالحا ، ونجددها بالحديث الصالح المتوافق مع تطلعاتنا…..

حاولت الاجابة عن سؤالي لنفسي:لماذا أكتب؟ لكن السؤال لايزال معلقا بالنسبة لابنتي الجميلة والصغيرة لان كل هذا لايعني لها شيئا …. فهي تظن أني لااحتاج الى الكتابة فأنا ربة بيت، لا أدرس وليس علي حمل كل هذه الاوراق والدفاتر والكتب فهذه مهمة التلاميذ والطلبة. أخذت جداولي الخاصة بالتسوق وقوائم الأكل والتنظيف وقوائم المناسبات والأعياد وقوائم المصاريف والمداخيل الخاصة بالمنزل ، وأريتها كل هذا وقلت لها:أنا يجب أن اكتب كل هذه الاشياء من أجل أن يظل بيتي نظيفا وأن لا تتضرر ميزانيتي بشراء أشياء غير نافعة وأن لاأضطر إلى الإستدانة في كل مناسبة أو عيد وألا أقلق حيال الدخول المدرسي وخصوصا خصوصا ان تنعم ابنتي الجميلة بصحة جيدة وسعادة في بيتنا الصغير ابتسمت ابنتي وقالت: دفترك جميل ياأمي أريد مثله وأريد أيضا مثل هذه الاقلام …

لماذا أكتب؟

حكاية جميلة ،وطريقة السرد رائعة

Leave a comment